Assawra

Site du Mouvement Démocratique Arabe

Accueil > Liban > <DIV align=right dir=rtl>في ظلال السنديانة الحمراء</DIV>

<DIV align=right dir=rtl>في ظلال السنديانة الحمراء</DIV>

vendredi 25 octobre 2013, par مسعود ضاهر

مسعود ضاهر

في الرابع والعشرين من تشرين الأول 2013، يوم الذكرى التسعين للإعلان عن تأسيس حزب الشعب، الوجه المعلن للحزب الشيوعي اللبناني،استراح محمد دكروب تحت ظلال السنديانة الحمراء التي عشقها مناضلا صلبا قل نظيره في صفوف الحركة الشيوعية العربية.
هل في الأمر صدفة أم أن حلمه قد تحقق فغادرنا بعد سنوات طويلة من النضال الشاق كان فيها محط إعجاب جميع من عايشه عن كثب وتعلم منه حب العطاء غير المحدود، وبعيدا عن الأضواء الخادعة؟
احتل تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني حيزا واسعا من دراسات دكروب، فبدا الحزبُ، من خلال قلمه، حزبا متميزا على الساحة اللبنانية بعد أن انتزع بمقولاته النظرية، وتماسك مؤسساته، وثقافة مناضليه، احترام الكثير من القوى الوطنية والديموقراطية والثورية في لبنان والدول العربية والعالم.
الحزب الشيوعي اللبناني، كما عرفه منذ بدايات تشكل وعيه الثقافي والوطني، مدرسة تعلم فيها الكثير من المناضلين الأكفاء الذين لم تسعفهم أوضاعهم المادية أن يتعلموا في المدارس العادية. فكان فعلا حزب العمال والفلاحين وجماهير الكادحين والمثقفين الثوريين. وارتبطت نشأته بنمو الطبقة العاملة اللبنانية التي خاضت بجدارة معارك النضال الطبقي، السياسي، ومقاومة الاستعمار، الأجنبي، والنضالات المطلبية. فقدم قيادات بارزة في مختلف المجالات من أمثال المؤرخ الكبير يوسف إبراهيم يزبك، والنقابيين فؤاد الشمالي، ومصطفى العريس، والياس البواري، وكثير غيرهم.
تعلم هؤلاء في مدرسة الحزب النضالية وعملوا على تحويل المجتمع اللبناني تحويلا ثوريا لبناء المجتمع الاشتراكي. واسترشدوا بالماركسية ـ اللينينية من خلال دورات تثقيفية، داخل لبنان وخارجه، فنشروا راية الحزب الطليعي الذي كان أعضاؤه يستذكرون نشيد الحرية الذي أطلقه عمر حمد وهو يسير بقامة مرفوعة نحو حبل المشنقة التي نصبها جمال باشا لإعدام أحرار لبنان وسوريا عام 1916 في ساحة البرج في بيروت، وساحة المرجة في دمشق. ومطلع النشيد :
نحن أبناء الألى/شادوا مجدا وعلا
وما لبث الشيوعيون الأوائل أن أطلقوا نشيدهم الخاص الذي جاء فيه : عاش حزب الشعب فينا/ رغم أنف الظالمين/ وإذا ما عاش يروى/ بدماء الكادحين/لا نصارى لا يهود في الحمى، لا مسلمين/ لا دروز بل عهود/ بالتآخي أجمعين/ لا نريد الطائفية/إنها الداء الذميم/ فلتضم الشيوعية شعب لبنان الكريم
يبدو هذا الكلام القادم من جيل البدايات مع محمد دكروب ورفاقه مجهولا لدى الأجيال الجديدة من اللبنانيين. فالشيوعيون لم يحسنوا كتابة تاريخهم بأنفسهم، ولم يعملوا على ربط جذور السنديانة الحمراء بأغصانها الوارفة التي طالت ظلالُها جميع الأقطار العربية. وكانت أدبيات الحزب، ومجلاته، وصحافته، وتضحيات مناضليه قدوة لأعداد متزايدة في حركة الثورة العربية. واستشهاد أمينه العام، الشهيد فرج الله الحلو، على أيدي جلاوزة النظام العربي المأزوم، أثار موجة عارمة من الإدانة لأنظمة تسلطية استبدادية ملأت السجون العربية بأفضل النخب الوطنية والديموقراطية والثورية.
رسم محمد دكروب صورة مشرقة لنضال الشيوعيين اللبنانيين الذين قدموا تضحيات كبيرة عبر تاريخهم الطويل. وشكل كتابه « جذور السنديانة الحمراء » الذي أعيد طبعه مرارا، أفضل سجل علمي لتلك الانتفاضات، وذلك بالاستناد إلى وثائق الشيوعيين الأصلية، وما تضمنته الصحافة الحرة في لبنان. وأثبت دكروب، بالوثيقة والتحليل العلمي الرصين، أن كتبة التاريخ من المؤدلجين الطائفيين كانوا عاجزين عن طمس نضال الشيوعيين. فوثائق الأرشيف نفسها، الفرنسية منها والإنكليزية والأميركية تقدم صورة مشرقة عن تلك النضالات.

جذور السنديانة الحمراء

كان محمد دكروب بمثابة الغصن النضير في السنديانة الحمراء، والمثقف الشعبي المتميز بنشاطاته التي استمرات طوال أيام حياته عبر إنتاجه الغزيز في مختلف صحف الحزب ومجلاته، وفي إدارته لمجلة « الطريق » التي تألقت معه وتميزت بأعداد متخصصة شكلت إضافات نوعية للفكر الثوري على امتداد العالم العربي.
كان محمد دكروب أول من نبه إلى ضرورة كتابة تاريخ الحزب وفق أسس علمية سليمة تجعل من تاريخه مدرسة تتربى عليها أجيال جديدة متعاقبة من الشيوعيين. فكان صديقا للجميع، محبا للجميع، تسبقه ضحكة رائعة مقرونة بود عميق، رغم أنه كان مولعا بالنقد الإيجابي الصادق.
لعل أفضل ما كُتِب عن جذور السنديانة الحمراء تلك الكلمة التي خطها خليل الدبس في تقديم الطبعة الأولى واستمرت في الطبعات اللاحقة. وجاء فيها : « إن كتاب جذور السنديانة الحمراء هو عمل أديب أكثر مما هو عمل مؤرخ. لكنه عمل أديب اعتمد الحقيقة التاريخية، وبذل جهدا كبيرا ليصل إلى أكثر ما يمكن أن يصل إليه من وثائق. وقابل العديد من المناضلين الذين عايشوا الأحداث ليأخذ الحقيقة منهم مباشرة. واستخدم كل ما توافر لديه من حقائق تاريخية ليضع أثرا أدبيا فريدا من نوعه. غير أن التاريخ، بمعناه العلمي، ما زال لمن يضعه، وأملنا كبير أن ذلك لن يطول ».
لم ينجز التاريخ العلمي للحزب الشيوعي حتى الآن. وقدمت ذرائع واهية لتبرير ذلك التقاعس. فالعقبات داخلية وموضوعية أكثر منها ثقافية أو مادية. لكن محمد دكروب بنى تاريخ السنديانة الحمراء على أرض صلبة. وما زالت أغصانها الخضراء عصية على اليباس، رغم أن بعض من تولوا القيادة الحزبية تحول إلى حطب على موائد عتاة الطائفيين ومبخرين لرأسمالية ريعية أفقرت اللبنانيين وهدرت كرامات بعض مثقفيهم.
كانت وثائق الحزب مبعثرة قبل أن يسارع محمد دكروب إلى جمعها في كتاب فريد في بابه يختزن عشرات الوثائق الأصلية من الضياع الأكيد. ورغم فترات البحبوحة التي شهدها الحزب وأطلق خلالها وسائل إعلام مرئية ومسموعة، لم يحقق قادته رغبة الدكروب في تأسيس مركز علمي للدراسات الماركسية في لبنان على غرار معهد موريس توريز للدراسات الماركسية في فرنسا وغيره من المعاهد الماركسية. ولم توضع نسخ مصورة من وثائق الحزب الأصلية في أمكنة يسهل الإطلاع عليها من جانب الباحثين المتخصصين.
كما أن مجلة « الطريق » التي كانت قبلة المثقفين الماركسيين والديموقراطيين العرب أهملت بالكامل فتوقفت عن الصدور لسنوات عدة إلى أن سارع محمد دكروب لإعادة إصدارها، منفردا إلى حد ما، لأنه كاد يختنق غما لغياب رفيقة عمره. ففي السنوات الأخيرة من حياته المديدة التي بلغت الخامسة والثمانين عاما، شكل مع « الطريق »، حالة من الوجد الصوفي لديه.
تنفس ملء رئتيه عندما عادت « الطريق » إلى الصدور بعد طول غياب. واستعاد حيويته بصورة مذهلة رغم آلامه المتعددة. وجدد البحث في جذور السنديانة الحمراء على أمل الاهتمام الجدي بتاريخ المناضلين الأشداء الذين دافعوا عن معتقداتهم بصلابة لا تلين، ومنهم من أمضى سنوات طويلة في سجون السلطة، فرنسية كانت أم لبنانية.
أدرك الدكروب منذ وقت مبكر أن شبيبة الحزب الشيوعي تعيش اليوم حالة ضياع في موسم كرنفالات زعماء الطوائف، والمتاجرين بالوطن، وسماسرة السياسة، وقادة الميليشيات الذين يهددون بتدمير لبنان على رؤوس اللبنانيين. وبنظرة ثاقبة إلى المستقبل عرف جيدا أن المثقف الشيوعي يجب أن يكون على الدوام من دعاة التجديد، وأن يكون منحازا دوما إلى البحث العلمي النقدي الأصيل عن الجذور الصلبة لسنديانة حمراء عصية على اليباس. وكان من أكثر المناضلين الشيوعيين الذين أبوا الانحراف عن الخط الوطني الذي يدافع حتى الرمق الأخير عن مصلحة الشعب اللبناني ضد زعماء الطوائف والمليشيات وسماسرة الثقافة النفعية.
كتب مؤرخو الطوائف تاريخ النزاعات الطائفية في لبنان. لكن الدكروب قدم سجلا رائعا لمن يرغب في معرفة تاريخ اللبنانيين، جميع اللبنانيين، أو بالأحرى « تاريخ الناس كل الناس » وفق تعبير فولتير.
فاللبنانيون يعشقون الحرية ويدافعون عنها. منهم من استشهد على أعواد المشانق، ومنهم من أمضى سنوات طويلة في سجون الانتداب ولاحقا في سجون بورجوازية تبعية وصفها مهدي عامل بالكولونيالية. فهي لم تعرف سوى السمسرة والصفقات المشبوهة، والربح السريع، وليست رأسمالية متنورة تشارك في الإنتاج وتطوير قوى الإنتاج.
عمل الدكروب بحرفية عالية في التأريخ العلمي لنضالات اللبنانيين. ونشر مقدمة نقدية هي من أجمل وأعمق ما كتب عن ظروف نشأة السنديانة الحمراء دون أن يتجاوز مرحلة الجذور التي دخلت عميقا في نسيج الفكر التقدمي والديموقراطي الحر في لبنان المعاصر.
وتضاعفت وثائقه ما بين الطبعة الأولى والثالثة. وأضاف إلى مراجعه أسماء كثير من المناضلين الذين فاته ذكرهم. ورغم شيخوخته وتقدمه في السن بقي قلمه متجددا، يبحث دوما عن كل ما هو أصيل ونقي في جذور السنديانة الحمراء، وما أكثرها، وهاجسه وصل ما انقطع بين تلك المرحلة والجيل الجديد من الشيوعيين اللبنانيين.
لطالما دعا الدكروب الحزب لكي يجدد نفسه وأساليب عمله ما دامت لديه القدرة على التجدد بعد الترهل المريع الذي اصابه في سنوات التشرذم وغياب الاهتمام الجدي بالثقافة والمثقفين. وكان يبادرني حين نلتقي بعبارة إنجلز : « يتقدم التاريخ من جانبه الأكثر سوادا ». فأجيبه : « وهل هناك سواد أكثر من الذي نعيشه اليوم في لبنان الطوائف والميليشيات التي تهدد بزوال الوطن؟ »
إن تجديد الحزب الشيوعي لنفسه مهمة أساسية على طريق إنقاذ الوطن. لذا بقي حتى آخر أيام حياته يحلم بتجدد الحزب على طريق لبنان الجديد. لأن « لحظة من الظلام لا تعني بأن الناس أصيبوا بالعمى »، حسب توصيف غابرييل غارسيا ماركيز.
وبقي حارسا أمينا للسنديانة الحمراء التي ضمته اليوم إلى صدرها. فغادرنا على أمل أن يبقى الحزب الشيوعي اللبناني وريث أفضل التقاليد الديموقراطية، والثورية، والإنسانية التي عرفها لبنان واللبنانيون. فالذهب يصقل بالنار، والأزمة الراهنة يمكن أن تنقي الحزب ممن تنكر لدماء الشهداء والمناضلين، وشوه سيرة المؤسسين الأوائل، وطرح أسئلة باهتة عن مدى الحاجة مجددا إلى حزب طليعي. ومنهم من روج لتبعية كاملة مع بورجوازية ريعية ملحقة بالإمبريالية الأميركية التي اختبر العالم جيدا زيف ديموقراطيتها في العراق، وفلسطين، ولبنان.
نستذكر محمد دكروب دوما كلمنا تعمقنا في كتابته العلمية عن تاريخ المثقفين الشيوعيين الذين أفنوا حياتهم دفاعا عن شعوبهم، وهو في عداد الكبار منهم. كان هاجسه الأساسي إعادة الاعتبار للحقائق التاريخية كما وقعت. ومن حقه أن يفخر بأنه كان أول من قدم تاريخ الشيوعيين بأسلوب علمي رائد. وكانت له مساهمات متميزة في مختلف مجالات النقد الأدبي. نشر الكثير من الوثائق الأصلية التي كان يمكن أن تندثر لولا جهده الدؤوب في البحث عنها وتحليلها بأسلوبه الأدبي الجميل، ووفق مزاجه الفني وطريقته الخاصة في رواية الأحداث، ومنتجتها، والتعليق عليها.

المؤرخ

لم يَدَّعِ يوما أنه مؤرخٌ، لكنني لم أتوانَ عن وصفه بالمؤرخ المبدع وفق المنهج الخلدوني المعروف : « التاريخ فن، في ظاهره خبر وتحقيق وفي باطنه نظر وتدقيق ». فقد أعطى صورة فنية صادقة ورائعة عن سيرة المؤسسين والمناضلين الأوائل. وكان هاجسه الأساسي أن يفخر المنتسبون إلى الحزب الشيوعي اللبناني من الأجيال الشابة بجذورهم الفكرية النيرة. فهم أحفاد كوكبة مشعة من كبار مثقفي ومناضلي لبنان والعالم العربي . فحين يقرأون « جذور السنديانة الحمراء » يتعرفون إلى أسماء لامعة هي مصدر اعتزاز لجميع العلمانيين، والتقدميين، والليبراليين، والمناضلين من اللبنانيين الذين تخطوا حواجز طوائفهم إلى رحاب المواطنة اللبنانية الحقيقية، فشكل كتابه صلة وصل بين التقدميين اللبنانيين من أحفاد طانيوس شاهين، وشبلي الشميل، وفرح أنطون، ويوسف إبراهيم يزبك، وفؤاد الشمالي، وأنطون مارون، وإسكندر الرياشي، ورفيق جبور، وعشرات غيرهم.
اليوم نودع محمد دكروب بعد أن استظل السنديانة الحمراء في رحلة نضالية ثقافية نال فيها محبة الجميع واحترامهم. ولعقود طويلة ستستذكر الأجيال القادمة من المثقفين التقدميين إسم المثقف الكادح محمد دكروب بصفته الحارس الأمين لجذور السنديانة الحمراء التي اصبحت بفضله معلما بارزا في تاريخ لبنان واللبنانيين. إنه رمز رائع لمناضل شيوعي بارز قدم نموذجا فذا في التثقيف الذاتي، وفي النضال الدائم لبناء وطن علماني حر وشعب لبناني سعيد. وما زالت السنديانة الحمراء تكبر بفضل دكروب ورفاق دربه الأوفياء، وتبشر بمستقبل زاهر لأجيال قادمة من المناضلين فعلا حتى بلوغ التغيير الديموقراطي وتحقيق حلم اللبنانيين الأوائل بولادة « وطن حر وشعب سعيد ».

(الصور لـ : كامل جابر)

Pour vous inscrire à notre liste de diffusion "Assawra"
faites la demande à l’adresse : Assawra1-subscribe@yahoogroupes.fr

<FONT color=#ff0000 face=Arial>Pétition
Non au terrorisme de l’Etat d’Israël
<A href=http://www.Assawra.Info/spip.php?article10>http://www.Assawra.Info/spip.php?article10